قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ…
سَأَلَتْهُ: بِكَمْ تَبِيعُ البَيْضَ؟
فَأَجَابَهَا البَائِعُ العَجُوزُ:
«جُنَيْهٌ لِلْبَيْضَةِ الوَاحِدَةِ يَا سَيِّدَتِي».
فَقَالَتْ لَهُ:
«آخُذُ سِتَّ بَيْضَاتٍ بِخَمْسَةِ جُنَيْهَاتٍ، أَوْ أَرْحَلُ».
فَأَجَابَهَا البَائِعُ العَجُوزُ:
«تَعَالِي خُذِيهَا كَمَا أَرَدْتِ، عَسَى اللهُ أَنْ يُفَرِّجَ عَنَّا، وَتَكُونَ اسْتِفْتَاحِيَّةَ خَيْرٍ؛ لِأَنِّي لَمْ أَسْتَفْتِحْ لِحَدِّ الآنِ».
فَأَخَذَتْهَا وَرَحَلَتْ، وَهِيَ تَشْعُرُ بِالنَّصْرِ… رَكِبَتْ سَيَّارَتَهَا الفَارِهَةَ، وَانْطَلَقَتْ لِاصْطِحَابِ صَدِيقَتِهَا إِلَى أَحَدِ المَطَاعِمِ.
جَلَسَتْ هِيَ وَصَدِيقَتُهَا، وَطَلَبَتَا مَا طَابَ لَهُمَا، وَمِنْ ثُمَّ تَنَاوَلَتَا القَلِيلَ وَتَرَكْتَا الكَثِيرَ، وَفْقَ مَا تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ البَرَسْتِيجِ.
وَبَعْدَهَا ذَهَبَتْ لِدَفْعِ الحِسَابِ، وَكَانَتِ الفَاتُورَةُ بِقِيمَةِ ٢٣٠ جُنَيْهًا.
فَأَعْطَتْهُ ٢٥٠ جُنَيْهًا، وَقَالَتْ لِصَاحِبِ المَطْعَمِ:
«البَاقِي لَكُمْ!!!»
قَدْ تَبْدُو القِصَّةُ عَادِيَّةً لِصَاحِبِ المَطْعَمِ، وَلَكِنَّهَا مُؤْلِمَةٌ كَثِيرًا لِبَائِعِ البَيْضِ!!!
الخُلَاصَةُ هِيَ:
لِمَاذَا دَائِمًا نَسْتَقْوِي عَلَى المَسَاكِينِ وَالفُقَرَاءِ عِنْدَمَا نَشْتَرِي مِنْهُمْ، وَنَكُونُ كُرَمَاءَ مَعَ مَنْ لَا يَحْتَاجُونَ كَرَمَنَا؟!
فِي الجَانِبِ المُضِيءِ:
كُلَّمَا جَاءَنِي طِفْلٌ فَقِيرٌ، يَبِيعُ شَيْئًا بَسِيطًا، أَتَذَكَّرُ مَقُولَةً لِأَحَدِ الأَغْنِيَاءِ، يَقُولُ فِيهَا:
«بَعْدَ الصَّلَاةِ، كَانَ أَبِي يَشْتَرِي مِنْ بَضَائِعِ البُسَطَاءِ بِأَغْلَى الأَثْمَانِ، رَغْمَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُهَا، وَيُزَايِدُ عَلَيْهَا، فَكُنْتُ أَسْخَطُ مِنْ هَذَا التَّصَرُّفِ، وَعَبَّرْتُ لَهُ عَنْ انْزِعَاجِي…
إِلَى أَنْ قَالَ لِي أَبِي:
«هِيَ صَدَقَةٌ مُغَلَّفَةٌ بِالعِزَّةِ، يَا وَلَدِي!»
قَارِنُوا بَيْنَ القِصَّتَيْنِ…
بَيْنَ تَرْبِيَةِ النِّفَاقِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَتَرْبِيَةِ البَصِيرَةِ النَّافِذَةِ!!…
صَبَاحُ الخَيْرِ ❣