قَبْلَ أَشْهُرٍ مِنْ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، تَجَهَّزَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ لِمُغَادَرَةِ المَدِينَةِ، فَخَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوَدِّعُهُ.
مَشَيَا سَوِيًّا، وَنَسَمَاتُ المَدِينَةِ تَمُرُّ بَيْنَهُمَا، كَأَنَّ لِلْمَكَانِ أَرِيجًا لَا تُجِيدُهُ إِلَّا المَدِينَةُ…
وَبَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ:
«وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ».
هَمَسَ لَهُ بِكَلِمَاتٍ أَثْقَلَتْ قَلْبَهُ:
«يَا مُعَاذُ، إِنَّكَ عَسَى أَلَّا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا».
تَوَقَّفَ قَلْبُ مُعَاذٍ لِلْحَظَاتٍ، وَتَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ المَكَانِ فِي عَيْنَيْهِ، وَكَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلِهِ قَدِ اكْتَسَى ثَوْبَ الفِرَاقِ…
ثُمَّ أَتْبَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ بِهَمْسٍ أَشَدَّ وَقْعًا:
«وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا، وَقَبْرِي».
فَلَمْ يَتَمَالَكْ مُعَاذٌ نَفْسَهُ، وَانْهَمَرَتْ دُمُوعُهُ، وَكَأَنَّ الفِرَاقَ قَدْ كُتِبَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ عَلَى القَلْبِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ مَوْعِدُهُ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.